محمد غازي عرابي

944

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 7 ] وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ( 7 ) [ الشورى : 7 ] أم القرى إشارة إلى النفس الكلية التي هي المرآة صورة الرحمن والمجسمة معقولاته ، والخطاب هنا موجه إلى النور المحمدي باعتباره نائب الفاعل الحقيقي ولكونه النور الأول القابل للانتشار ، ولهذا كان الإنذار من النور إلى المرآة ، وهو إنذار يوم الجمع ، أي اليوم الجامع ، أي اليوم الإلهي العالي على الزماكان والذي لا بداية له ولا نهاية ، والذي يضم الأجزاء ، وإليه منتهى علوم الأنبياء والعارفين حيث يقفون أمام اللّه خاشعين ويخرون ساجدين ، ولقد تحدثنا من قبل عن فريقي السعادة والشقاوة الذين قضى بينهم الأمر وهم بعد في أصلاب آبائهم ذر ، وناقشنا المسألة كما ناقشتها العلماء والفلاسفة كثيرا ، وبتها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قائلا : « إن اللّه خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره ، فمن أصابه هذا النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل » ، وقال : « ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار » ، قالوا : يا رسول اللّه فلم نعمل ، أفلا نتكل ؟ قال : « اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له » . ثم تكلمنا عن حقيقة المسألة التي تقتضي وجود الفريقين ، وقلنا إن الظلام توأم النور ، وإن كليهما توأمان للّه لا غنى عنهما جميعا ، وبسبب وعي هذا الدور الوجودي بشر ابن عربي بالرحمة العامة ، لأنه من دون هذه الرحمة السابقة على الغضب لا يوضع للعدل الإلهي ميزان . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 8 ) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 9 ) [ الشورى : 8 ، 9 ] ما دام الوجود دائرة باطنها الحق ومحيطها الخلق ، والأسماء أشعة بين الحق والخلق ، فهذا الوجود واحد ، أصله واحد ، وفرعه واحد ، ولا خلاف ، إنما جعل اللّه الخلاف لتظهر الأسماء ، ولولا الخلاف لا تظهر . والحق يقول أن لو شاء لجعل الناس أمة واحدة ، وقالت المفسرون إن هذه الأمة الواحدة هي الإسلام ، ولقد شرحنا هذا القول من قبل ، فالحقيقة أن الناس أمة واحدة ، وأن هذه الأمة مسلمة ، ولهذا قال سبحانه للسماء ، والأرض إئتيا طوعا أو كرها ، قالتا أتينا طائعين ، فالخلاف إن بدا أصله وحدة ، وعند كشف الحجاب يتبين للمكاشف أن هذه الأعيان ناطقة عن عين واحدة ، ولهذا كانت الأعيان مسلمين .